خرجت ليل من المشفى بعدما تلقّت جلستين من العلاج الطبيعي، و كان في أوجّ سعادتها لخروجها من بين تلك الجدران البيضاء التي ظلت محاصَرة داخلهم لفترة ليست بالقليلة، كانت تستند على ذراع ريان و هم متجهين إلى سيارته المصفوفة أمام المشفى، نظرت له بمقلتين بريئتين ترى جمود مِحياه و وجهه الذي فقد معاني الحياة مؤخرًا، قطبت حاجبيها تنظر أمامها بضيقٍ و قد مقتت صمته الدائم و حزنه الغير مبرر بالنسبة لها، صعدت معه السيارة تتأفف .. و فورما صعد حتى إنفجرت به تُخرج ما كتمته لمدة إسبوعًا كاملًا:
– هو في إيه بقى!
إنت مبقتش طبيعي طول الوقت سرحان و مش معايا و بحتاج أعيد كلامي مرتين تلاتة عشان حضرتك مبتبقاش مركز في اللي بقوله، إنت مش راضي تقولي في إيه! و أنا تعبت من الأسئلة اللي بتدور في دماغي .. أنا مش قادرة أبرر تصرفاتك غير إنك مبقتش عايزني في حياتك يا ريان! قاد السيارة بوجهٍ متصلب و كأنه لم يسمعها رغم أنه فعل و شعر بنغزات في قلبه عندما وصلت إليه كلماتها الحادة، غلت الدماء بعروقها و أُستزفت أكثر لتضرب على التابلوه أمامها هادرة به بعنف:
– أنا بـكــلمـك يا ريــان رُد عـلـيـا!
صرخ بها محتدًا أكثر يضرب المقود بـ راحة يده:
– أنــا مـش عـايز أسـمع صـوت في ودنــي! طالعته مصدومة، و إنكمشت في المقعد مُندفسة تكتم شهقات بُكاءها .. حتى صوتها لم يعد يطيق سماعه، إنفلتت منها شهقةٍ رغمًا عنها جعلته يزيد في سرعة السيارة و هو يشعر بـ قبيلة كاملة من الجن تتقافز أمام عيناه، لم يتخطى موتها و لن يفعل، سيبقى ذلك المشهد و السكين مُنغرزة في جسدها محفورًا في ذاكرته طيلة حياته، و ها هي تضغطه أكثر ..
هو يعلم يجهلها عن دواخلُه، و كيف يتمنى لو أن يغرز ذات السكين في قلبه و يذهب لأمه الذي أدرك بعد وفاتها كم هو يحبها و متعلِق بها، كيف للإنسان أن يكُن أعمى البصيرة للدرجة التي تجعله لا ينتبه لأهميتها لتلك الدرجة في حياته، كم من مرةٍ تجاهل مكالمات لها لأنه كان منشغلًا خصيصًا عندما كان مغتربًا، كم من مرةٍ ضاق صدره من نصائحها و تدخلاتها في حياته، كيف لهذه المشاعر أن تتحول لمشاعر إحتياج بعد موتها!
إلتفت إلى ليل و قد رق قلبه لها، صفّ السيارة جانبًا لكي يُهدئ من إرتجافة جسدها و هي تكتم بكائها حتى إحمرّ وجهها، جاء ليضع كفه على جانب وجهها فـ إبتعدت تطالعه بحدةٍ قائلة بعنفٍ:
– متلمسنيش! متقربش مني!
– أنا آسف!
قالها بأسى، فـ تمسّكت بعِندها أكثر تُحجِّر جسدها مُلصقة إياه في المقعد، تنظر أمامها و الدمعات تتسلل على وجنتيها، زفر بإرهاقٍ أكبر و كأنها تزيد عليه تعبه، أغمص عيناه يفركهما بـ سبابته. إبهامة مستندًا بمرفقه على المسند الذي يفصل بينهما، طالعته بـ جانب عيناها بـ ضيق لتمتم و لم تكن تعلم أن الأمر سيسقط كالصاعقة على رأسه:
– أنا عايزة أتطلق يا ريان!
و بعنفٍ ضرب على المسند جواره فورما إلتقطت أذنيه جملتها التي ذبحته فـ إنتفضت هي مغمضة عيناها تزدرد ريقها و هي تعلم أن رد فعله ستكون قاسية، لكنها لم تكن تتخيل أن يقول و هو يسير بالسيارة:
– ماشي .. قالها بكل هدوء بعدما أخذ أنفاسٍ يُهدئ بها جهازه العصبي، طالعته مصدومة .. تُتمتم بـصوتٍ مهتز:
– ماشي؟ .. ماشي إيه؟
قطبت حاجبيها عندما نطق بيُسرٍ:
– أطلقك!
أخذت الكلمة و إبتلعتها كغصةٍ في حلقها، و لن تبالغ إذا قالت أن ألم جانب معدتها ضرب بجسدها فجعلها تغرز أسنانها في شفتيها، رفضت الظهور بمظهر الضعيفة و رغم أن قلبها كان ينزف .. إلا أنها غمغمت بهدوءٍ:
– تمام
ساد الصمت بينهما لدقائق شردت هي بهم، نهشت الأسئلة عقلها كما ينهش السرطان الجسد، توالت عليها أسئلة من قبيل: أهو لا يٌحبني؟ لم يُحبني بالأساس؟ أكانت أفعاله و كلماته المعسولة ليست سوى سراب صدّقته و سارت خلفه دون فهم؟ أم أنه ملّ منها؟ أم أنه أحب امرأة أخرى، جميعها أسئلة كالموس مزّقت قلبها و إجاباتها بالنسبة لها لا تهم .. فـ هو بالفعل ألقى القنبلة في وجهها و إنتهى الأمر!
لا تعلم كيف شعرت ببرودة في جسدها و أن الدماء قد غادرته بالكامل، حتى أنها شعرت بدوارٍ قاسٍ لتشدد بكفيها على ثيابها تحاول أن تتماسك قدر الإمكان، سألته بصوتٍ مُتعب و كأنها كانت في ماراثون:
– ممكن أبقى أقعد في شقة مطروح .. عشان إنت عارف إني ماليش مكان أقعد فيه! قال على الفور:
– ماشي
قالها مسرعًا ليبتر عبارة لو كانت أطالت بها لكان جذبها لأحضانه، هو من المحال أن يتخلى عنها .. هو فقط يُريها أن كثرة ترديد تلك الكلمة من الممكن أن تودي بعلاقتهما للهلاك، نظرت أمامها و إزدردت ريقها تُردد بهدوء لا يماثل أبدًا ما في داخلها:
– هلم هدومي الأول و هخلي حد من عندكوا يوصلني! – تمام
كان يجاريها بتلك الكلمة فـ وجّهت عيناها للنافذة لكي تسمح لدمعاتها بالهبوط دون أن يلاحظها، وصلا للبيت، و فورما صفّ السيارة حتى إندفعت هي خارجها تضغط على زر الجرس بإنفعال مرة تلي الأخرى حتى فتحت لها الخادمة، سألتها بهوجاءٍ:
– ماما دليلة فين؟
طالعتها الخادمة مصدومة، فـ مرت ليل تركض إلى عصام الذي نزل الدرج يطالعها بإبتسامة حزينة:
– وحشتيني يا حبيبتي ركضت له ليل و إرتمت بأحضانه، عانقها عصام و لا يعلم كيف ذكرته بـ دليلة .. رائحتها و كأنها رائحة دليلة بالضبط، بكت ليل تريد أن تشكو له معاملة ريان معها، و دلف ريان على هذا المشهد ليقطب حاجبيه متضايقًا و قد ضربته الغيرة و لا يعلم كيف غار من أبيه عليها، حتى أنه هدر يصوتِ عالٍ:
– لــيـل!!
إنتفضت ليل على صوته و خرجت من بين ذراعي عصام الذي نظر إلى ريان يقول متضايقًا:
– إيه يا ريان .. بالراحة على البنت! طالعه ريان بهدوء ظاهري يقول:
– عايزها بس يا حاج! هتفت ليل بحدة:
– و أنا مش عايزة أقعد معاك! عايزة أقعد مع بابا و ماما! – هو إنت مقولتلهاش!
وجّه عصام سؤاله و هو مصدوم إلى ابنه الذي نفى برأسه، فـ طالعتهما ليل بعدم فهم تغمغم:
– مش فاهمة .. مقاليش على إيه يا بابا؟
ربّت عصام على مكنبها يقول بحزن تمكّن منه:
– مافيش يا حبيبتي .. إطلعي مع جوزك إرتاحي إنتِ خارجة من المستشفى و أكيد تعبانة ولازم ترتاحي جتى تلك اللمسة لكتفها لم يتحملها، فـ ساقته قدميه لها ليجُرها من ذراعها يُبعدها عن مرمى يد أبيه فـ طالعته بحدةٍ من طريقته معها تنفض ذراعها من ذراعه، تعود و تنظر لأبيه قائلة برجاء:
– بابا إنتوا مخبيين حاجة عليا صح؟ إزدرد عصام ريقه ينظر إلى ريان الذي سمح له بنظراته أن يخبرها، فـ هتف عصام ينظر بعيدًا عنها بألم:
– دليلة .. تعيشي إنتِ!
تسمّر جسد المسكينة تناظر عصام مصدومة، و تلتفت إلى ريان الذي كان واقفًا بظهرها مباشرةً ينظر أمامه بأعين جامدة لكن لمعت بها الدمعات، إقشعرّ جسدها تزدرد ريقها و هي تقول بخفوت و لا تعلم كيف جمّعت الأحرف لتكون كلمة واحدة و هي:
– إمتى؟
– تاني يوم الحادثة بتاعتك ..
هتف عصام يسترجع تلك الذكرى المأساوية، فـ وضعت كفها على قلبها الذي إنقبض يؤلمها، و خانتها قدميها فـ كادت تنهار أرضًا لولا ذراعيه اللذان أحكما القبض على ذراعيها يقربها من صدره و هي تجهش بالبكاء و تقول بصوتٍ باكٍ:
– ماتت من غير م أحضنها؟ من غير م أقولها إن بحبها أوي!
أغمض ريان عيناه يرفع رأسه لأعلى محاوط ذراعيها، بينما لم يتحمل عصام سماع كلماتها فـ لملم المتبقي منه و صعد إلى جناحه ينزوي على نفسه و يبكي كالطفل الصغير، تابعت ليل و هي تضع كفيها على ذراعي ريان المحاوطان جسدها:
– ليه تموت بالسرعة دي يا ريان .. ليه فجأة كدا!

