منوعات

جبل الهوارى مايا خالد

جبل الهوارى مايا خالد

​’مفاتيح المخازن؟ دي لسه مكملتش يومين! أنت بتسلم الغريبة أسرار الدار يا جبل؟’
​جبل ماردش عليها، وبص لقمر اللي كانت بتبادله النظرات بتحدي، وقال بصوت واطي ومسموع ليها هي بس:
​’عايز أشوف التمرد اللي في عينيكي ده هيصمد قد إيه قصاد المسؤولية.. ولا هو كلام وخلاص؟’
​قبل ما حد ينطق بكلمة، الباب البراني خبط بعنف وصوت ض*رب نــ,,ـــــار حيّ في الهوا خلى الكل يتفزع. الغفير دخل بيجري وهو بينهج:
​’إلحق يا جبل بيه!

عيلة المنشاوية حاصروا الدار، وعمها “سويلم” واقف بره ومعاه رجالة بأسلحتهم، وبيحلف ميمشيش من هنا إلا وراس بت أخوه في إيده!’
​هنادي ضحكت بشر وهي بتبص لقمر:
​’أهو المو*ت جه لحد عندك يا فِتنة.. وريني بقى جبل هيبيع عيلته وهيبته عشانك ولا هيسلمك ليهم ويريحنا؟’
​جبل سحب سـ,ـلاحه من جنبه، وبص لقمر بصه أخيرة خلت قلبها يقع في رجليها.. كانت نظرة غامضة، مش مفهوم هل هيودعها ولا هيحارب الدنيا عشانها. خرج جبل للساحة، وقمر بتهور وجنون، جريت وراه ووقفت ورا الباب بتراقب اللي هيحصل.
​سويلم عمها كان واقف وشره باين في عينيه:

​’سلمنا البت يا جبل، السكــ,,ـــــينة على رقبتها هي اللي هتغسل عارنا، متخليش الدم يوصل للركب بيننا وبينكم عشان حتة عيلة!’
​جبل وقف وسط رجالته، وبكل برود الدنيا، عمر سـ,ـلاحه ورفعه في وش سويلم وقال:
​’الدم لو وصل للركب، عيلة المنشاوية هي اللي هتغرق فيه.. البت دي مراتي، والي يعوز يغسل عاره، يغسله بعيد عن حرم جبل الهواري.. أني دلوقت بطلت أتكلم باللسان، والسـ,ـلاح هو اللي هيقول كلمته!’ ”
​”الدنيا هديت فجأة، وصوت ‘تكة’ السـ,ـلاح في إيد جبل كان لها رنة مرعبة في السكون اللي حل.

قمر ورا الباب كانت بتترعش، مش خوــ,,ـفاً من الم*وت، لكن خوــ,,ـفاً من إن جبل يتهور ويروح ضحية لواحد زي عمها.
​وفجأة، وبدون تفكير، قمر فتحت الباب الكبير وخرجت. الشمس ض*ربت في وشها، وفستانها الأبيض اللي بقى مبهدل كان لسه عليها. الكل اتصدم، وسويلم عمها عيونه برقت ورفع بندقيته عليها وهو بيصرخ:
​’أهي الفاجرة ظهرت! نزلي يدك يا جبل، دي عرضنا وإحنا أولى بدمها!’
​جبل مالتفتش وراه، بس صوته طلع زي الرعد:
​’ادخلي جوه يا قمر!

رجوعك لورا خطوة واحدة، خروجك بره الدار دي يعني م*وتك!’
​قمر مسمعتش الكلام، مشيت بخطوات ثابتة لحد ما وقفت جنبه، وبصت لعمها بـ غلّ وقالت:
​’عار إيه اللي بتتكلم عنه يا عمي؟ العار هو إنك كنت عاوز تبيعني لواحد قد أبويا عشان تمسح ديونك! العار هو إنك .ت أبويا زمان وواكل ورثي ودلوقت جاي تكمل عليا! أنا مش هربانة عشان أغلط، أنا هربانة عشان أعيش!’
​سويلم ضحك بسخرية:
​’وهتعيشي فين؟ في حض*ن واحد رماكي في بيته زي الجارية؟

ده اتجوزك عشان يكــ,,ـــــسر عيلتنا مش أكتر!’
​قمر لفت وشها لجبل، وبصت في عينيه اللي كانت بتغلي، وقالت بصوت مسموع للكل:
​’لو كان جبل خدني عشان يكــ,,ـــــسركم، فأنا راضية.. ولو كان سجــ,,ـــــنني، فسجــ,,ـــــنه جنة بالنسبة لبيتك. اض*رب نــ,,ـــــارك يا عمي، بس لو راجل بص في عيني وأنت بت.ني!’
​سويلم فقد أعصابه وضغط على الز.ناد، وفي نفس اللحظة جبل سحب قمر ورا ضهره وبدأت الملحمة. صوت الرصاص بقى في كل حتة، ورجالة الهوارية ردوا بكل قوتهم. جبل كان بيض*رب نــ,,ـــــار بيد، والإيد التانية ماسكة إيد قمر بـ قُبضة حديدية، كإنه بيقول لها ‘مستحيل أسيبك’.

​في وسط المعمعة، رصاصة طاشت وخدشت كتف جبل. قمر صرخت باسمه، وهنادي اللي كانت واقفة عند الشباك بتراقب، ضحكت بـ شمـ,,ــاتة وهي شايفة دم جوزها بيسيل بسببه.
​جبل محاولش يداري وجعه، بالعكس، ض*ربته بقت أقوى لحد ما رجالة سويلم انسحبوا وهما شايلين مصابيهم وهربوا من قدام ‘جبل الصعيد’.

​جبل لف لقمر وهو بينهج، وعيونه فيها مزيج مرعب من الغضب والإعجاب. قرب منها ومسكها من كتافها بعنف وهزها:
​’أنتي كيف تخرجي واصل؟ كنتي عايزة تمو*تي وتكتميني بدمك؟’
​قمر، والدموع في عينيها، مدت إيدها ولمست جرح كتفه:
​’أنت انصبت بسببي يا جبل..’
​جبل شد إيدها ونزلها، وقال بصوت فحيح:
​’الجرح ده مبيوجعش.. اللي بيوجع فعلًا هو التمرد اللي في راسك ده.. بس وحق الجرح ده، من الليلة مفيش خروج، ومفيش كلمة هتتقال في البيت ده غير كلمتي..

أنتي دلوقت دخلتي ذمتي بجد، والحساب بيننا لسه مبدأش!’
​شالها بين إيديه قدام الكل، ودخل بيها البيت وهنادي واقفة على السلم وشها أصفر من الغيرة، والحاجة راضية بتهز راسها وبتقول:
​’دخلت النــ,,ـــــار برجليك يا ولدي.. والبت دي شكلها هي اللي هتطفي نــ,,ـــــارك أو تحــ,,ـــــرقنا كلنا!’
​جبل دخل أوضته ورزع الباب برجله، ونزل قمر على السرير، وبدأ يفك شاله وهو بيبصلها نظرة خلت قلبها يدق طبول الحرب من جديد.”
​”رمى جبل سـ,ـلاحه على التربيزة بعنف، وكان الدم مغرق قميصه الأبيض. قمر كانت واقفة بتترعش، مش بس من منظر الدم، لكن من نظراته اللي كانت بتحاصرها زي الصياد.

​قربت منه بخطوات مترددة، ومدت إيدها لكتفه وهي بتقول بصوت واطي:
​’لازم أطهرلك الجرح ده.. الدم مش راضي يقف.’
​جبل مسك إيدها قبل ما تلمسه، وضغط عليها بقوة وهو بيبص في عينيها:
​’خايفة عليا يا بت المنشاوية؟ ولا خايفة السند اللي اتحميتي فيه يقع وتلاقي نفسك لوحدك تاني؟’
​قمر رفعت راسها وقالت بتحدي وهي بتحاول تداري وجع إيدها من قــ,,ـــــبضته:
​’خايفة على الراجل اللي وقف قدام الرصاص عشاني.. حتى لو كان الراجل ده هو نفسه السجان اللي نويت أتمرد عليه.’
​جبل ساب إيدها بحدة وقعد على الكرسي، وشاور لها بصباعه:

​’هاتي الشاش والمنكر (المطهر) من الدرج.. ووريني يدك اللي بتقولي عليها بتعرف الشغل هتعمل إيه. مايا خالد
​بدأت قمر تداوي جرحه، كانت قريبة منه لدرجة إنها سامعة دقات قلبه المنتظمة رغم المعركة اللي كانت من شوية. جبل كان باصص لملامحها المركزة، ولأول مرة يحس إن ‘التمرد’ اللي في عينيها مش مجرد كلام، دي قوة حقيقية.
​وفجأة، الباب اتفتح من غير استئذان، ودخلت ‘هنادي’ وهي بتولول:
​’يا مري! جرى لك إيه يا سيد الناس؟ بقى حتة العيلة دي تكون السبب في دمك اللي سال؟ ابعدي يدك دي عنها يا فقرية!’
​جبل مص لـ هنادي بنظرة خلتها تقف مكانها:

​’هنادي! قولتلك ميت مرة خبطي قبل ما تدخلي.. وقمر هي اللي بتداوي جرحي، اطلعي بره وشوفي المطبخ والخدم.’
​هنادي وشها احمر من الغيظ وقالت بصوت مخنوق:
​’بتمشيني عشانها يا جبل؟ دي باين السحر اشتغل بدري قوي! بس وحق اللي بينا، البت دي مش هتبات ليلة تانية في الدار وأني موجودة!’
​خرجت هنادي وهي بتخبط في الحيطان من كتر الغل، وقمر كملت ربط الشاش على كتفه وسكتت. جبل قام وقف، وبقى طوله الفارع مغطي عليها، رفع دقنها بإيده وقال بصوت هادي ومرعب في نفس الوقت:
​’هنادي واصلة (قوية) في البيت ده يا قمر، وليها ناسها..

لو فاكرة إنك بكلمتين حلوين وبلمسة يد هتسيطري، تبقي غلطانة. الحرب الحقيقية مش اللي حصلت بره مع عمك.. الحرب الحقيقية جوه الحيطان دي.’
​قمر بصت له بابتسامة ثقة:
​’وأنا مبهربش من حروب يا جبل بيه.. اللي وقفت قدام بندقية عمها، ميهزهاش كيد حريم.’
​جبل ضحك ضحكة مكتومة، لأول مرة تظهر على وشه القاسي:
​’عجباني الثقة.. بس استعدي، لأن الليلة ‘الحاجة راضية’ أمرت إن الكل يقعد على سفرة واحدة.. وهناك هتعرفي إن عِش الدبابير اللي دخلتيه، مبيطلعش منه حد سليم.’
​”اتجمعت العيلة كلها على السفرة الطويلة.

‘جبل’ قاعد في ص.در المكان، وعن يمينه أمه ‘الحاجة راضية’، وعن شماله كانت ‘هنادي’ اللي قاعدة ومربعة إيديها وبتبص لـ ‘قمر’ بنظرات سمّ. قمر كانت قاعدة في آخر السفرة، حاسة إنها غريبة، بس ضهرها مفرود وعينها منزلتش الأرض.
​هنادي بصت لطبق قمر وقالت بـ لؤم:
​’كلي يا عروسة.. كلي واتغذي، أصل اللي زيك وراهم أيام سودة محتاجة جهد.. ولا إنتي متعودة في بيت عمك على الأكل الني؟’
​قمر سابت المعلقة وبصت لها ببرود:

​’في بيت عمي كنت باكل بكرامتي.. وهنا باكل بـ إذن صاحب البيت، ولا إنتي ليكي رأي تاني يا هنادي هانم؟’
​جبل كان بيسمع وهو بياكل بهدوء، بس عينيه كانت بتراقب الشرارة اللي طالعة بين الاتنين. الحاجة راضية خبطت بـ عصايتها على الأرض وقالت بصوت حازم:
​’بس يا حريم! في وجود الكبير مفيش صوت يعلى.. وأنتي يا قمر، طالما بقيتي واحدة مننا، لازم تعرفي إن السفرة دي ليها أصول.. اللي يغلط يتربي، واللي يحترم نفسه يتشال فوق الراس.’
​وفجأة، دخل واحد من الغفر وهو بيجري، ووشه مخطوف:
​’يا جبل بيه.. المصيبة حصلت! المخزن الكبير اللي فيه المحصول..

النــ,,ـــــار ولعت فيه!’
​جبل قام وقف زي الأسد، وعروق رقبته برزت:
​’كيف ده حصل؟ والحراسة فين؟’
​الغفير نزل راسه في الأرض:

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى