ـ “خرجت قفلت الباب بالراحة، وطلعت لسيد في الصالة وهو قاعد يموت من الجوع. سألني: ‘الحاجة صحيت؟’ قولتله ببرود أبرد من الفريزر: ‘لا يا خويا، دي نايمة في سابع نومة ومتهنكة، سيبها ترتاح ونبقى نسخن لها نايبها لما تصحى!’ وتخيل يا سعاد! قعدنا أنا وهو والبنات ونزلنا في الممبار والكوارع! أكلنا لما بطوننا اتنفخت، وشربنا الشاي بالنعناع وسيد حبس بالسيجارة وهضمنا تمام التمام.. وبعد ساعة، لما الشاي اتهضم والأكل استقر، دخلت الأوضة وطلعت صرخة جابت آخر الشارع وقلت ‘الحقوني أمك ماتت يا سيد’!”
سعاد كانت على الناحية التانية من الخط مش مصدقة، وقالتلي بصوت مرعوب: “انتِ إيه يا بت؟ معندكيش قلب؟ قعدتِ تأكلي ممبار وكوارع والست ميتة جوة في الأوضة؟” ضحكت وقلت لها: “يا أختي الحي أبقى من الميت! وهي يعني لو أكلت الممبار كانت هتصحى؟ الأكل كان هيترمي يا سعاد! كوارع دايبة زي الملبن وممبار بيقرمش يترموا عشان ست ماتت أجَلها؟” وفي اللحظة دي بالذات.. وأنا بضحك وبقول الكلمتين دول بكل عين جافية.. سمعت صوت حاجة اترميت على الأرض ورايا!
نشفت في مكاني.. الضحكة اتجمدت على شفايفي، والدم اتسحب من وشي في ثانية. لفيت راسي بالراحة وأنا بترعش.. سيد كان واقف عند باب الشقة! كان راجع من القهوة بدري عشان نسي تليفونه، وفتح الباب بالمفتاح بالراحة عشان ما يصحنيش فاكرني تعبانة من أيام العزا. كان واقف ماسك أكرة الباب، وشه أحمر زي الدم، وعينيه جاحظة وفيها شرار، وإيده التانية كان ماسك بيها كيس علاج أمه القديم، وقع منه على الأرض. سيد سمع كل كلمة.. سمع تفاصيل الممبار والكوارع، وسمع إني سبت أمه ميتة في الأوضة ساعة كاملة وبكذب عليه وبأكله وهو مش فاهم حاجة!
التليفون وقع من إيدي على السجاد، وصوت سعاد كان طالع منه بتناديني: “ماجدة؟ ماجدة أنتِ رحتي فين؟” بس أنا ما كنتش سامعة حاجة غير صوت ضربات قلبي اللي كانت زي الطبول. سيد خطى خطوة ناحيتي.. خطوة واحدة بس، لكن كانت تقيلة زي الجبل. صوته طلع واطي، بس كان يرعب، ألعن من صوته وهو بيزعق: ـ “انتِ… انتِ قعدتِ تأكلي ممبار وكوارع… وأمي جث\ة هامدة في الأوضة اللي جنبنا؟” بلعت ريقي بالعافية، وقومت وقفت ورجلي مش شايالاني، وحاولت أجمع أي كلام:
ـ “سـ.. سيد.. افهمني بس والله أنت فاهم غلط.. أنا.. أنا كنت…” سيد قرب أكتر، وعينيه بقت كأنها عينين وحش مجروح، صرخ بصوت هز جدران الشقة كلها، صوت صحى البنات من نومهم مرعوبين: ـ “كنتِ إيه يا زبالة؟! كنتِ بتأكليني ممبار على ج\ثة أمي؟! انتِ إيه؟ بني آدمة ولا شيطان؟! أختك بتعزيكي وانتِ بتضحكي وتتباهي إنك خدعتيني وسبتي أمي ميتة عشان الأكل ما يبردش?!” شهد وجنى خرجوا يجرو من أوضتهم، شافوا أبوهم ماسكني من زوري ووشه متشنج، والبنات بقوا يصرخوا: “في إيه يا بابا؟! في إيه يا ماما?!”
سيد زقني على الكنبة بقوة خلاني اترميت عليها، وكان بينهج زي التور الهيجان: ـ “اسألوا أمكم الشريفة العفيفة! اسألوها عملت إيه يوم ما ستكم ماتت! دي سابت ج\ثة أمي في السرير ساعة كاملة عشان ناكل ممبار وكوارع وما نكدش على بطنها!” البنات بصوا لي بذهول ورعب، شهد حطت إيدها على بؤها ومش مصدقة: “ماما.. الكلام ده بجد؟! انتِ عملتِ كده في تيتا?!” أنا كنت قاعدة على الكنبة ببتعد من الخوف، ومش عارفة أرد ولا ألاقي مبرر، سيد كان بيلف حوالين نفسه في الصالة زي المجنون، يمسك فازة يكسرها في الأرض، يضرب إيده في الحيطة، وعينيه نازلة دموع قهر وغضب.
وقف فوق رأسي، وبص لي بنظرة كره عمر ما شفتها في عين بني آدم، وقال بصوت مكتوم زي الزئير: ـ “أنا كنت فاكرك أصيلة وبتراعي ربنا فيا وفي أمي.. طلعتِ ألعن من الأبالسة! ودم أمي وحقها مش هسيبه.. وحياة رحمة أمي يا ماجدة، لوريكي أيام أسود من قرس الغراب، والبيت ده مش هيجمعني بيكي تاني بعد النهاردة!”
سيد مسكني من دراعي وجرني على الأرض ناحية الباب، البنات بقوا يمسكوا فيه ويعيطوا: “عشان خاطرنا يا بابا لا!” بس هو كان غايب عن الوعي من كتر الصدمة والقهر.. فتح باب الشقة ورماني برة في الصالة بتاعة السلم في نص الليل، وقال بصوت سمع العمارة كلها: ـ “انتِ طالق يا ماجدة! ورجلك ما تطأش البيت ده تاني طول ما أنا حي!”