منوعات

حكايات ضحى ج١

حكايات ضحى ج١

الموقف ده كان مجرد بداية الحړب الباردة، الموقعة الأولى أنا كسبتها بالنقاط، بس الحړب الحقيقية كانت لسه بتبدأ.
عدى اليوم على خير، الضيوف
مشوا الساعة واحدة بعد نص الليل. أحمد نزل يوصل قرايبه لحد العربية تحت، وأنا دخلت المطبخ ألم الكراكيب. المكان كان يكركب النفس، أطباق وصواني وكوبايات. حماتي دخلت المطبخ ورايا، قلعت غويشتين دهب وحطتهم على الرخامة، ووقفت تتفرج عليا وأنا بغسل الأطباق.
قالت وهي بتعدل شعرها قدام المراية اللي في الممر على فكرة يا ندى.. الحركة بتاعة الفرن دي، أنا طفيته عشان حسيت ريحة شياط طالعة منه وأنا معدية.. قلت أحسن الأكل يتحرق وتتفضحي قدام الناس..

أنا كنت بنقذك مش أكتر.
رحت قافلة الحنفية بشويش، ومسحت إيدي بالمفارش، ولفتلها. بصيت في عينيها بثبات لأول مرة من تمن شهور. مكنتش خاېفة، ومكنتش متوترة.
قلت بصوت واطي ومريح جداً عارفة يا طنط؟ أنا مصدقاكي طبعًا.. أصل مستحيل واحدة في سنك ومقامك تعمل حركة زي دي بالقصد عشان تبوظ فرحة ابنها في عيد ميلاده.. صح ولا أنا غلطانة؟

الكلمة نزلت عليها زي المية الساقعة. وشها ألوانه اتغيرت، والابتسامة المزيفة اختفت تمامًا.
قالت بنبرة حادة بس متدارية قصدك إيه يا ندى؟ إنتِ بترميني بالتهمة ولا إيه؟
قلت وأنا برجع أغسل الكوبايات ببرود أبداً يا طنط! أنا بقول إنك أرقى وأكبر من الحركة دي.. وعشان كده أنا واثقة إن أي حاجة بتحصل في البيت ده بتبقى مجرد صدف ومفهومة غلط.. بس بوعدك، من هنا ورايح، أنا هخلي بالي كويس أوي من كل الصدف دي.
سابت المطبخ وخرجت وهي بتهبد رجلها في الأرض، ومن اللحظة دي.. خطتي بدأت تترسم في دماغي.

سارة صاحبتي كانت قالتلي الناس دي بتلعب على عامل التشكيك، بتخليكي تشكي في عقلك لحد ما تتصنفي مچنونة أو نكادية قدام جوزك. الحل الوحيد إنك تقلب السحر على الساحر.. من غير ما تفتحي بؤك بكلمة العياط أو الشكوى لأحمد.
بدأت أطبق الخطة من تاني يوم الصبح.
حماتي متعودة تقوم الساعة تمانية الصبح، تشرب قهوتها السادة في البلكونة وهي بتسمع إذاعة القرآن الكريم، وبعدين تدخل المطبخ تحضر فطارها المفضل بيض بسبسطرمة وجبنة بيضا بالنعناع.
أنا قمت الساعة سبعة. دخلت المطبخ بهدوء شديد.

شلت علبة النعناع الناشف اللي بتحب تحطه على الجبنة، وحطيت بداله ريحان مطحون شبهه بالظبط بس طعمه وشكله مختلف في الأكل.
وشلت البرطمان بتاع السكر
اللي بتحط منه نُقطة على القهوة السادة هي بتحب القهوة على ريحة السكر، وحطيت بداله ملح ليمون ناعم جدًا زي السكر الناعم بالظبط!
أنا مكنتش بؤذيها، أنا كنت بديها من نفس الكأس اللي شربتني منه تمن شهور.. كاس السهوكة والأخطاء العفوية.
خرجت وقعدت في الصالون باللابتوب بتاعي كأني بشتغل.
طلعت حماتي من أوضتها، دخلت المطبخ بثقة، عملت قهوتها، وحضرت طبق الجبنة، وخرجت تقعد في البلكونة.

كنت مراقباها من انعكاس الإزاز بتاعة النيش.
أول ما أخدت بق القهوة..
وشها انكمش بشكل فطسني من الضحك مكتوم! تفّت القهوة في المنديل بسرعة ووشها احمر.
وبعدين أخدت لقمة جبنة بالريحان.. كشرت وعينيها وسعت باستغراب شديد، بدأت تقلب في الطبق كأنها بتدور على كائن غريب.
خرجت من البلكونة ماسكة فنجان القهوة وطالعة عليا في الصالون، وشها جمر ڼار.
ندى! إنتِ عملتي إيه في السكر والنعناع؟
بصيتلها بمنتهى البراءة، نزلت النظارة الطبية على مناخيري وقلت بصوت حنون إيه ده يا طنط؟ خير في إيه؟
قالت بعصبية القهوة طعمها أستغفر الله العظيم يقطع الخلَف!

والنعناع طعمه زي الشجر المكربن!
قمت وقفت بسرعة، وبصيتلها بأسف واهتمام ظاهر جداً يا خبر! معقولة؟ وريني كده يا طنط؟
دقت القهوة وعملت نفسي متفاجئة يا لهوي! ده فعلاً ملح ليمون! يا خبر ابيض عليا
يا طنط.. أنا آسفة
جداً! أصل بالليل
وأنا بنظف المطبخ بعد العزومة، العلب اتلخبطت مني وأنا برتب الصفاية.. معلش حقك عليا، أنا بجد محشورة في الشغل ومش مركزة خالص.. جلّ من لا يسهو يا حبيبتي، دي غلطة عبيطة زي الشراب الأحمر اللي دخل الغسالة بالظبط فاكرة؟
حماتي وقفت تتنحلي. الجملة الأخيرة نزلت عليها زي الصاعقة. هي فهمت..

فهمت إن السهو ده مش عفوي، وإن الحړب المفتوحة بدأت، بس مكنش عندها أي دليل يمسك عليا غلطة. لو راحت اشتكت لأحمد، هيقولها يا ماما ندى بتتأسفلك وتقولك اتلخبطت وهي بتنظف بعد عزومتي، كبر مخك!
سابتني ودخلت أوضتها وقغلت الباب وراها بتكة عالية.
بس القصة مخلصتش هنا.. بالعكس، دي كانت مجرد تسخين.
بعدها بيومين، أحمد كان مسافر في مأمورية شغل لمدة

تلات أيام في الإسكندرية.
البيت فضي عليا أنا وهي.
كنت عارفة إنها هتنتهز فرصة غياب أحمد عشان تردلي الصاع صاعين، أو تعمل حركة تخلي أحمد لما يرجع يلاقيني عاملة مشكلة أو مبهدلة البيت.
وفي اليوم الثاني من سفر أحمد، صحيت الضهر على صوت دربكة جامدة في المطبخ.
طلعت أستكشف، لقيت حماتي نقلت كل أواني الطبخ والصواني وحطتهم على الأرض، وبتقلب المطبخ رأسًا على عقب.
قلت بهدوء خير يا طنط؟ بتعملي إيه؟
بصتلي وهي بتنهد بتعب متصنع وقالت أصل المطبخ مش عاجبني نظافته يا ندى..

النمل مالي الدُرف، وأنا قلت أعمل حملة نظافة شاملة بدل القعدة دي.. أصل إنتِ طبعًا عشان شغالة مابتاخديش بالك من التفاصيل الصغنونة دي، وأنا مقدرش أعيش في بيت مش
نظيف.
المطبخ كان فل، وأنا متأكدة إن مفيش نملة واحدة. هي كانت بتعمل الحركة دي عشان تكركب المطبخ وتسيبهولي ألمّه وأغسله، أو تبهدل الدنيا وتتهمني بالإهمال لما أحمد يرجع.
شفت الأطباق المرمية، وعرفت إنها قررت تلعب على المكشوف وعالي السكيك.
ابتسمت ابتسامة عريضة جداً وقلت لها يااااه يا طنط! والله عندك حق! البيت ده فعلاً محتاج إعادة ترتيب شاملة..

مش بس المطبخ، ده كمان النيش وأوضة الخزين وكراتين الهدوم القديمة اللي تحت السرير عندك فوق!
حماتي بصتلي بحدة قصدك إيه؟
قلت وأنا بشمر أكمام بلوزتي بكل نشاط وحماس غير متوقع أنا بقول نستغل غياب أحمد، ونعمل حملة چنونية على البيت كله.. من أول أوضتك لحد الصالون! يلا بينا يا طنط،
أنا هساعدك تنزلي كل حاجة من أوضتك وننظفها بالمرة، ده إحنا كنزنا هيبقى دهب!
وش حماتي بدأ يتغير.. هي مكنتش متوقعة الرد ده. كانت فاكراني هزعل أو هتحسبن وأدخل أوضتي.

دخلت أوضتها بسرعة ووقفت في نصها، وبدأت أشد الصناديد والكراتين القديمة اللي كانت مخبياها تحت سريرها بقالها سنين وهي بتقول بلهفة وتوتر لا لا يا ندى! أوضتي خط أحمر، محدش يدخلها ولا ېلمس حاجتي!
لكن أنا مكنتش ناوية أقف. وأنا بمد إيدي تحت السرير أساعدها أطلع أول كرتونة بصرامة ونشاط.. إيدي خبطت في علبة معدن صغيرة مخفية ورا السرير، المفيش حد يوصلها بالصدفة.
العلبة وقعت لاتنين، واتفتحت على الأرض..
واللي شفته جوه العلبة دي.. كان الشيء اللي يقلب الموازين كلها،
وينهي اللعبة دي للابد!

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى