منوعات

مـ,ـوت مؤجل

مـ,ـوت مؤجل

في جنازة أبويا، وفي الوقت اللي الناس كانت بتعزيني فيه، فجأة التربي مسك دراعي ووشوشني بكلمتين هدموا كل اللي كنت فاكراه حقيقة في حياتي.
​”أبوكي الله يرحمه دفع لي عشان ندفـ,ـن نعش فاضي!”
​وقبل ما أستوعب الصدمة أو أنطق بكلمة، لقيته حط في إيدي مفتاح نحاس قديم وتحذير زي السِـ,ـكينة: “إياكي تروحي البيت!”.. ثواني وموبايلي اتهز برسالة غريبة من أمي، ساعتها بس بدأت أفهم إن جـ,ـنازة أبويا مكنتش النهاية.. دي كانت أول خطوة في خطة هو مرتبها من سنين طويلة.

​النعش الفاضي
​صوت القرآن وهو بيقرا “كل من عليها فان” بدأ يختفي بالتدريج مع حركة الناس اللي بتغادر المقابر.. الجيران والأقارب بيعزوا ويمشوا، وزمايلي من لواءات وضباط القوات المسـ,ـلحة اللي خدموا مع أبويا واقفين في صمت وهيبة بيأدوا واجب العزاء.. ومن بعيد، جمب عربية التكريم، كانت أمي بتمسح دموعها بطرف طرحتها السودا.
​أنا بقى؟ رجلي مكنتش شايلاني أمشي من جمب القبر.
​أنا العقيد نادية منصور.. قضيت أكتر من عشرين سنة في الخدمة العسكرية، قودت عمليات ومهمات صعبة اتعلمت فيها إن الثانية الواحدة بتفرق بين الحياة والمـ,ـوت، وإن الثبات الانفعالي هو سـ,ـلاحي الأول..

بس كل اللي اتعلمته في حياتي كوم، وصدمتي في دفـ,ـنة أبويا كوم تاني خالص!
​كل الناس كانت فاكرة إن اللواء المتقاعد منصور التهامي مات بأزمة قلبية مفاجئة في مكتبه وهو عنده 66 سنة.. تلات أيام بحالهم وأنا اللي بخلص إجراءات الدفـ,ـن، وبواسي أمي اللي اتهد حيلها من الصدمة، وبمضي على ورق وتصاريح رسمية.. كنت بنام وأنا بقول لنفسي: “المـ,ـوت علينا حق، ودي قضا أخف من قضا”.
​لحد ما قرب مني التربي.. راجل عجوز، وشوشة الزمن حفرت في وشه، وهدوم الشغل عليها تراب المقابر.. بص حواليه يتأكد إن الناس مشيت، وقرب مني أوي وقال بصوت واطي:

“الحاج منصور الله يرحمه كان دافعلي..”
​بصيت له باستغراب: “دافعلك عشان إيه؟”
بص للتربة وقال: “عشان ندفـ,ـن نعش فاضي يا فندم!”
​لساني اتعقد، ومبقتش عارفة أرد: “أنت بتقول إيه؟ مستحيل! أنا بنفسي اللي عاينت الجـ,ـثة في المشـ,ـرحة!”
الراجل هز راسه بأسى: “أنتي شوفتي اللي سيادة اللواء كان عاوزك تشوفيه وبس”.
​في ثانية واحدة، كل غيوم الحزن اللي في دماغي طارت، وكل غريزة عسكرية اتعلمتها في الجيش صحيت في دمي.. الراجل مد إيده جوة جلبابه وضغط على إيدي بمفتاح نحاس ساقع، محفور عليه رقم..
وقاللي بنبرة تخوف: “إياكي تروحي البيت..

مش مهم مين يكلمك ولا هيقولولك إيه، اطلعي فوراً على مخازن الكيلو 9، وافتحي المخزن رقم 17”.
​قولتله وأنا مش مصدقة: “أبويا ميـ,ـت من تلات أيام!”
بص في عيني وم رمشِ: “أبوكي بيجهز لليوم ده من أكتر من عشرين سنة”.
​الرسالة اللغز
​وقبل ما ألحق أستجوبه، الموبايل في إيدي اتهز.. الرسالة كانت من أمي.
“تعالي البيت لوحدك”.
​قريتها مرتين.. الكلمات دي فيها حاجة غلط! أمي عمرها ما تبعت رسالة قصيرة وجافة كدة، دي حتى وهي زعلانة بتقولي “يا بنتي” أو “يا حبيبتي”.. والأهم من ده كله، إنها واقفة على بعد كام متر مني!

طب ليه بتبعت رسالة ومجتش تقولي بنفسها؟
​التربي لمح الشاشة، ووشه اتقلب وقالي برعب: “إياكي تردي!”
طلع بسرعة جواب قديم ومتبهدل من جيبه، مكتوب عليه اسمي بخط أنا حافظاه زي اسمي.. نادية.
خط أبويا!
​الراجل قال وهو بيمشي: “أبوكي سلمني الأمانة دي من عشرين سنة، وقاللي هييجي اليوم اللي هتعرفي فيه إنك لازم تسلميها لبنتك”.
عشرين سنة؟! يعني قبل ما أدخل الكلية الحربية! قبل ما ألبس الكاب والبدلة الميري! يعني أبويا كان بيرتب لكل ده وأنا لسه فاكراه مجرد راجل طيب بيحب يقرا كتب التاريخ ويشرب قهوته السادة وهو بيسمع أم كلثوم يوم الجمعة!

​التربي اختفى بسرعة بين المدافـ,ـن قبل ما أوقفه. ركبت عربيتي، قفلت السنتر لوك، وفتحت الجواب.. مكنش فيه سلامات ولا وداع، ولا تفسير للي بيحصل.. كان فيه أمر عسكري واحد:
“روحي للمخزن 17.. ثقي في الست اللي هتلاقيها مستنياكي هناك.. ومترجعيش البيت لحد ما تفهمي كل حاجة”.
​المخزن رقم 17
​نفذت كلامه.. على ما وصلت لمخازن الكيلو 9، كانت الغيوم غطت السما وبقت مغيمة وضلمة.. المكان كان عبارة عن ساحة شبه فاضية ومحاوطة بسلك شائك، وفيها صفوف من الأبواب الصاج الرمادية.
​هناك، تحت مظلة المكتب الرئيسي، كانت واقفة ست بلطو أسود.. شافت عربيتي وهي بتقرب ومتحركتش من مكانها..

لما نزلت، قربت مني وطلعت كارنيه رسمي من جيبها.. كارنيه “الأمن الوطني”.
​قالتلي بهدوء وثقة: “سيادة العقيد نادية.. سيادة اللواء كان عارف إنك هتيجي لوحدك”.
بصيت للمفتاح النحاس اللي في إيدي، وبعدين للمخزن اللي وراها: “إيه اللي جوه المخزن 17؟”
ملامح وشها بقت جادة جداً وقالت: “جواه الأدلة اللي هتشرحلك ليه اللواء منصور كان لازم يفهم العالم كله إنه مات!”
​فجأة، الموبايل رن في إيدي.. “أمي” وبدأ يتكتك ويزن بقوة..
الظابطة بصت للشاشة وقالتلي بحسم: “مهما حصل.. إياكي تردي على المكالمة دي!”

​وقبل ما أسألها ليه، بدأ يطلع صوت تكتكة إلكترونية بطيئة ومنتظمة من ورا الباب الصاج للمخزن رقم 17!
الظابطة حطت إيدها تحت البلطو بسرعة وقالت بصوت جهوري: “ارجعي ورا فوراً!”
​أنا فضلت واقفة في مكاني زي الصنم، عيني على المفتاح اللي أبويا رتب إنه يوصلي من عشرين سنة.. وفي اللحظة دي بس، فهمت حاجة واحدة..
​إحنا مكنّا واقفين في المدافـ,ـن عشان ندفـ,ـن اللواء منصور التهامي.. إحنا كنا واقفين هناك عشان نقنع حد خـ,ـطير جداً.. إن أبويا خلاص مابقاش عايش!
​شبكة إجرامية دولية اسمها “وينتر جلاس” قدرت توصل للملف السري اللي بيثبت هوية “نادية” الحقيقية!

أبويا اللواء منصور ساب رسالة مسجلة بيحذر فيها إن “إيمان” (الظابطة اللي قابلتها) مخـ,ـانتهمش.. الموضوع أكبر من كدة بكتير؛ فيه ست تانية درست ملامح إيمان، نبرة صوتها، حركاتها، وحتى طريقة كلامها عشان تنتـ,ـحل شخصيتها بالملّي!
​وفي نفس اللحظة، وصلت رسالة على الموبايل فيها صورة مرعبة.. إيمان الحقيقية مربوطة ومتكتفة في مطبخ بيتها، والست التانية اللي شبهها بالظبط واقفة جمبها ولابسة نفس الطرحة والجاكيت بتوعها!
الرسالة كان مكتوب فيها جملة واحدة تجمّد الدم في العروق: “هاتي المفتاح.. وإلا إيمان هتمـ,ـوت!”
​الهروب من الفخ
​وفعلاً، في دقايق معدودة، دخل الكافتيريا اللي كنا مستخبيين فيها رجالة مدربين ومسلحين..

ساعتها، الست “بثينة” (صاحبة الكافتيريا اللي كانت أمان لأبويا) كشفت سر خطير؛ قالت إنها كانت بتساعد اللواء منصور من سنين طويلة في حماية وتأمين شهود العيان والعمليات السرية.. وبسرعة ومن غير ما تضيع وقت، هربت نادية ومعاها “ميرفت” (العميلة السابقة اللي كانت مع نادية) في عربية نقل بضائع من الباب الوراني.
​التسجيل اللي بعده من أبويا اللواء منصور وجههم لمكان سري: بنك “القاهرة الائتماني”.. هناك، المفتاح النحاس فتح الخزنة رقم 17.
أول ما فتحوها، لقوا جواها غويشة فضة صغنتوتة بتاعة أطفال، ومحفور عليها اسم: “آية التهامي”.

​سر “آية” والمفاجأة الصدمة
​في اللحظة دي، ميرفت وشها جاب ألوان، والدنيا لفت بيها والدم هرب من عروقها.. “آية” دي تبقى بنتها هي! البنت اللي قالوا لها من سنين طويلة إنها ماتت وهي لسه مولودة في مستشفى العريش في عملية عسكرية قديمة!
​وفجأة، اشتغلت رسالة مخفية تانية بصوت اللواء منصور، وصوته كان كله حزن وأسى وهو بيقول:
“يا نادية سامحيني.. ويا ميرفت سامحيني أكتر.. الطفلة اللي قالوا لك إنها اتدفـ,ـنت زمان، عمرها ما مـ,ـاتت!”
​المواجهة الأخيرة
​وقبل ما يستوعبوا الصدمة، بوابات الخزنة الإلكترونية الحديد بدأت تقفل عليهم أوتوماتيك ويتحبسوا جوة!

​ومن ورا القضبان الحديدية وهي بتقفل، ظهرت الست الحرباية اللي منتـ,ـحلة شخصية إيمان، وواقفة بكل برود وشر، وجمبها إيمان الحقيقية والمسدس موجه لراسها.
​في اللحظة دي بس، والصدمات بتنزل على دماغ نادية ورا بعضها، الفكرة نورت في عقلها وفهمت كل حاجة.. فهمت اللغز الأكبر اللي أبويا خبّاه..
​”ميرفت” مكنتش مجرد عميلة سرية شغالة مع أبويا اللواء منصور.. ميرفت هي أم نادية الحقيقية! ونادية هي نفسها الطفلة “آية” اللي قالوا إنها ماتت من عشرين سنة!
الحديد بيقفل، وصوت التكتكة الإلكترونية بيعلى، و”ميرفت” بتبص لنادية وعينيها مليانة دموع وصدمة..

البنت اللي افتكرتها ماتت من عشرين سنة، واقفة قدامها دلوقتي، وبتقولها “يا أمي” من غير ما تنطق الكلمة.
​لكن نادية، بغريزتها كعقيد في الجيش، مسمحتش للمشاعر تشل حركتها. بصت من ورا القضبان للست المنـ,ـتحلة (اللي عرفوا إن اسمها كاميليا) وقالت بصوت ثابت يهز الجبال: “فاكرة إنك كسبتي يا كاميليا؟ تبقي ميعرفتيش اللواء منصور التهامي كويس!”

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى