وقف قدام الباب، إيده بترتعش وهو بيمدها يضغط على الجرس. أول ما الباب اتفتح وشاف مروة واقفة قدامه—دبلانة، بس لسة شايلة كرامتها وعزتها—نزل على ركبه قدامها في الممر، والدموع مغرقة وشه: — «ارحميني يا مروة.. اغفريلي يا بنت الأصول! أنا أتخدعت، أنا بعت الذهب واشتريت التراب وإتدفنت فيه! نادين كانت حية ونهت بيتنا، وأنا كنت أعمى وأغبى إنسان على وش الأرض.. اديني فرصة واحدة بس أصلح اللي بوظته، مستعد ألحس التراب تحت رجلك بس ترجعيلي وتسامحيني!»
وقفت مروة تبص له ببرود تام.. النظرة اللي كانت زمان مليانة حب واهتمام، بقت فاضية تمامًا من أي مشاعر. بصت له وهو مكسور تحت رجلها، وبعدين بصلت بعيد وابتسمت ابتسامة وجع سخرية، وقالت بنبرة هادية بس أشد قسوة من كل كلامه: — «البيت اللي اتهد ما بيرجعش تاني يا مؤمن.. والكسرة اللي كسرتها لي قدام أختي ما يداويهاش دموعك ولا ندمك. أنت ونادين شبه بعض، تستاهلوا بعض.. وأنا ربنا نجاني منكم أنتم الاتنين. طريقتك انتهت معايا من اليوم اللي رميتني فيه في الشارع.»
قفلت الباب في وشه بالراحة، وسابته قاعد على الأرض، مكسور، وحيد، ويدفع تمن غدره وظلمه باقي عمره. رجعت مروة خطوتين لورا بعد ما قفلت الباب، وسندت ظهرها عليه وهي بتتنفس بسرعة. كانت دقات قلبها عالية، بس المرة دي مش من الخوف ولا من القهر.. كانت دقات حرة، دقات واحدة ردت لكرامتها اعتبارها، وشافت العدل الإلهي بيلف ويرجع لصاحبه في الدنيا قبل الآخرة.
على الناحية التانية من الباب، قعد مؤمن على درجات السلم، حاطط راسه بين إيديه، صوت الباب وهو بيتقفل في وشه كان أشد عليه من سكين اتغرزت في قلبه. أدرك في اللحظة دي إن كل حاجة انتهت بجد.. إن مروة مش بس رفضت ترجع له، دي مسحت وجوده من حياتها وكأنه لم يكن. قام يجر رجليه بالعافية، راجع لشقة فاضية مفيهاش غير ذكريات ظلمها، وضريح للغدر اللي بناه بإيده مع نادين.
أما نادين، فبعد ما اترمى لها عفشها وهدومها بره، حاولت تروح لأمها وتعيش دور الضحية للمرة التانية، لكن المرة دي القناع كان اتكشف خلاص. الأم، اللي شافت خراب بيت بنتها الأولى على إيد بنتها الثانية، وقفت في وشها وقالت لها بحسم وكسرة: — «أنتِ مش بس خربتي بيت أختك.. أنتِ خربتي قلبنا ونفسنا. مفيش مكان ليكي هنا يا نادين، روحي دوري على مكان يشيل الغل والحقد اللي جواه ده، أنتِ جنيتي على نفسك وعلى أختك، والذنب ده هيلاحقك العمر كله».
اتقفلت كل الأبواب في وش نادين، وبقت وحيدة، مطرودة من بيت جوزها القديم، وبيت مؤمن، وبيت أهلها.. بتدفع تمن أنانيتها وطمعها بعد ما خسرت أختها وسندها وسُمعتها قدام الكل. ومرت الأيام والشهور.. مروة بدأت تتنفس من جديد، رجعت لروحها ولحياتها، نزلت شغلت وقتها وطوّرت من نفسها، وبقت كل يوم بتحمد ربنا إن الابتلاء ده كشف لها معادن الناس اللي حواليها ونقّى حياتها من الخيانة والتزييف. عرفت إن السعادة مش في وجود راجل والسلام، لكن في وجود راجل يصون، وأن ربنا لما بياخد حاجة بيعوض بالأحسن والأبقى.
أما مؤمن، ففضل عايش في شقته زي الغريب، ندمان على كل لحظة فرط فيها في الزوجة الصالحة عشان سراب وخديعة، يتمنى الزمن يرجع بيه عشان يمسح اليوم اللي سمح فيه للأفعى تدخل بيته.. بس الزمن مابيرجعش، والدروس القاسية هي اللي بتعلم البني آدم قيم الأشياء بعد ما تضيع من إيده.
