أول ما العدة انتهت، وبدون أدنى خجل ولا مراعاة لصلة رحم ولا دين، اتفق مؤمن ونادين على كل حاجة.. وفي نفس البيت اللي اتطردت منه، وعلى نفس العفش اللي اخترته بذوقي، اتكتب كتاب مؤمن على نادين، وبقت هي السيدة الأولى والزوجة الجديدة لجوز أختها، بعد ما أخدت مكاني، وبيتي، وحياتي بالكامل! مرّت خمسة أشهر على جوازهم.. الشقة اللي كانت في يوم من الأيام بيتي الهادي، تحولت لساحة حرب يومية بين مؤمن ونادين.
القناع اللي كانت لبساه نادين—قناع الضحية الرقيقة والمكسورة—بدأ يتقشر بالتدريج لحد ما سقط تمامًا. نادين خلاص حققت غايتها، أخدت الراجل والبيت، ومابقاش في داعي للتمثيل أو الجري ورا رضا مؤمن. في ليلة من الليالي، رجع مؤمن من شغله وهو مجهد، أملًا إنه يلاقي اللقمة الهنية والكلمة الطيبة اللي كانت نادين بتغرق بيهم أيامه زمان. دخل الصالة لقى البيت يكركب، والأكل مفيش، ونادين قاعدة على الكنبة بتفر في تليفونها ومطنشاه تمامًا. قرب منها مؤمن وهو بيحاول يمسك أعصابه وقال بصوت مكتوم:
— «إيه يا نادين؟ البيت يكركب كده ليه؟ وأين الأكل؟ أنا راجع من الشغل مهدود حيلي ومستني أرتاح!». ردت عليه نادين ببرود واستخفاف، من غير ما ترفع عينها من على شاشة التليفون: — «جرى إيه يا مؤمن؟ هو أنا خدامتك هنا ولا إيه؟ اللي عايز حاجة يقوم يعملها لنفسه، أنا مش جيا من بيت جوزي القديم عشان أخدم حد تاني!». اتصدم مؤمن من النبرة والأسلوب، وبدأ يحس بمرارة اللحظة. وقرّب منها بزعيق:
— «نعـم؟! خدامتي؟! أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه يا نادين؟ أنتِ نسيتي كنتِ جيا هنا إزاي؟ ولا نسيتي إني طلقت أختك ووقفت معكي ضد الدنيا كلها عشان حنيتك ورقتك اللي كنتِ بتتمسكني بيهم؟». هنا.. قامت نادين وقفت قصاده بكل جشع وقسوة، وضحكت ضحكة عالية فيها كل أنواع الاستهانة وقالت:
— «أوه، معلش بقى يا سي مؤمن! التمثيل له وقت وبيخلص.. أنت صدقت إن أنا أحبك بجد؟ أنا كل اللي كان يهمني أثبت لنفسي ولأختي إني أقدر آخد منك أي حاجة، وأخلص من عيشتي القديمة. وأنت زي الأغفل صدقت وجريت ورايا وخرّبت بيتك بإيدك! وعموماً بقى، المصروف اللي بتديهولي ده مبيعملش حاجة، وتدبير البيت اللي مروة كانت بتعمله بلطافتها أنا مش فاضية له.. عايزه فلوس زيادة، وعايزه شغالة تنضف، وإلا قسمًا بالله لأعملك فضيحة في منطقتك وشغلك!».
نزل الكلام على مؤمن زي الصاعقة.. بقى واقف مشدوه، حاسس بالخزي والندم بياكلوا في جسمه أكل. افتكر كل كلمة كنت بقولهاله، افتكر حنيتي وصبري عليه، وافتكر إزاي ظن إن الذهب اللي في إيده تراب، وجري ورا السراب! بص لها وعيونه مليانة ندم وقرف، وصوت طالع بالعافية: — «يااااه.. بقى أنتِ كده؟ أنا بعت اللي صانتني وخانتني عشان واحدة استغلالية ومريضة زيك؟ أنا اللي عملت في نفسي كده!». ردت عليه بابتسامة صفرا وهي بتمشي وسيباه:
— «أهو اللي حصل بقى يا سي مؤمن.. اشرب بقى من البحر، ومفيش خروج من الجوازة دي إلا بشرطي، وإلا هطلعك على التليفزيون والميديا وأعرف الناس كلها أنت عملت إيه مع أخت مرتك!». سابها وقعد على أول كرسي قابلُه، حاطط إيده على راسه، والدموع المحبوسة في عينه بتبكي على بيته اللي اتخرب، وعلى الزوجة الأصيلة اللي ظلمها ورميها في الشارع عشان حية غدرت بيه وبأختها. عدّت الأيام ومؤمن عايش في جهنم حمرا.. البيت اللي كان فاكره هيبقى جنة بقى عبارة عن خناقات يومية، وزعيق لا بيفصل، واستنزاف لمشاعره وفلوسه.
نادين ما سابتلوش فرصة ينفس؛ كل يوم طلبات جديدة، وشروط مادية تعجيزية، وتهديد مباشر بالفضايح لو ما نفذش. ومؤمن بقى حاسس إنه متكتّف، مفيش في إيده غير إنه يبص للسقف بالساعات ويفتكر مروة.. يفتكر هدوءها، ونظافتها، وحنيتها، وإزاي كانت بتشيل عنه هموم الدنيا من غير ما تطلب كلمة شكر. وفي يوم، وزي أي يوم شوم، قامت خناقة كبيرة بينهم بسبب المصروف. نادين صرخت في وشه بصوت سمع الجيران كلهم: — «أنا مش هعيش في الشحح ده! أنت فاكر نفسك راجل بجد ولا إيه؟ أنت مجرد كارت واستخدمته عشان أطلع بيه من أزمتي، ودلوقتي كارتك انحرق!»
الكلمة دي كانت القشة اللي قسمت ظهر البعير. مؤمن حاسس إن دماغه هتتفجر، الدم ضرب في وشي، ومبقاش شايف قدامه. كل كمية القهر والندم اللي حبسهم جوا أربعة أشهر انفجروا في لحظة واحدة. قرب منها وعيونه طالع منها شرار، وبصوت هز جدران العماره كلها: — «أنتِ صح.. أنا فعلاً ما كنتش راجل لما رميت الجوهرة الحقيقية وجريت ورا الزبالة اللي زيك! أنا اللي عملت في نفسي كده لما فتحت بيتي للأفعى اللي قرصتني وقرصت أختها! بس الحد هنا وبس.. أنتِ طالق! طالق! طالق بالثلاثة يا نادين، وما شوفش وشك في البيت ده دقيقة واحدة كمان!»
نادين اتفاجئت، ما كانتش متوقعة إنه يملك الجرأة وياخد القرار ده. حاولت تتخانق وتصرخ وتفتعل دراما جديدة، بس مؤمن المرة دي ما أداهاش فرصة. مسك شنطتها ورمى لها هدومها بره الباب وقفل في وشها بالضبة والمفتاح، وسابها تصرخ في الصالة بره. دخل مؤمن شقته الفاضية.. الشقة اللي بقت صحراء جرداء. قعد على الأرض ورا الباب، وحط إيده على وشه وبكى بحرقة عمره ما بكاها في حياته. بكى على خيبته، وعلى بيته اللي اتهد، وعلى مروة اللي ظلمها وكسر قلبها بدون وجه حق.
تاني يوم الصبح، ومفيش في قلبه غير أمل ضعيف وخجل يهد جبال، طار مؤمن على بيت أهل مروة.