اختى اتطلقت وجت تعيش معايا …كانت مشاكلها مع جوزها سببها إنه بيخو.نها ويض.ربها وبخيل معاها ده اللي كانت دايما بتحكيه أختي.. وكانت طول الوقت قدام جوزي تقولي: «حافظي على جوزك ده، ده مفيش منه وده ابن اصول، ربنا يخليكم لبعض وما يحرمكمش من بعض أبدًا». في الأول، جوزي كان بيتضايق جدًا من وجودها في البيت.. كان دايما يقولي: «يا بنت الحلال وجودها مقيد حريتي، مش عارفين ناخد راحتنا في بيتنا ولا نتكلم براحتنا». أسمعه وأحاول أمتص غضبه وأقوله: «معلش استحملها، مالهاش حد تروحلهم، وأنت عارف مشاكلها هي وأمي عاملة إزاي، ظروف وتعدي».
بس مع مرور الوقت.. الحاجات بدأت تتغير من غير ما أحس. بقيت ألاحظ إن الجفا اللي كان بينه وبينها بدأ يتدوب بالتدريج، وبقوا يندمجوا مع بعض ويقعدوا يتكلموا ويضحكوا بالساعات وأنا مش واخدة بالي أو بفسرها بصفاء نية. تحول الضيق لاهتمام غريب.. بقى جوزي يجي من برة يوصيني عليها بالاسم: «اعمليلها الأكل اللي بتحبه، أصلها شكلها زعلانة النهاردة»، وبقى وهو راجع من شغله يدخل وفي إيده الحاجة اللي عارف إنها بتحبها، يفتح الباب ويدهالي وهو بيلمح بطرف عينه يلمس رد فعلها: «جبتلكم الحاجات الحلوه دى معايا.. عشان تتسلوا سوا ونسخر كلنا ونتفرج على فيلم .
كنت بشوف الاهتمام ده في الأول شهامة ومجدعة منه، وإنه خلاص بدأ يعطف على ظروفها ويعتبرها زي أخته.. لحد ما بدأت ألاحظ نظرات واهتمامات زادت عن حدها، وتفاصيل صغيرة بدأت تقبض قلبي وتخليني أقف مع نفسي وأتساءل: هو في إيه بيحصل في بيتي ومن ورا ضهري؟! بقيت أقف قصاد المنظار في الصالة وأسأل نفسي: هي العاطفة والرأفة بزيادة كده؟ ولا أنا اللي بقيت أتوهم؟ بس الشك ما بقاش توهم لما التصرفات اتغيرت علانية ومؤمن بقى يفضل نادين عليا في كل حاجة.
بدأت ألاحظ إن مؤمن بقى يستنى كل كلمة منها بلهفة.. لما نادين تقول رأيها في حاجة في البيت، كان كلامها بالنسبة له سيف مصلت، يمشي كلامها هي ويرفض كلامي أنا! لو اختلفنا على مكان نخرج فيه أو حابين نأكل إيه، كان يقف في صفها بابتسامة ويقولي: «خلاص يا مروة، اسمعي كلام نادين المرادي، هي زمانها مخنوقة وعايزة تغير جو».
حتى الاهتمام الشخصي اللي كان من نصيبي، بقى يروح لها بالكامل. لما يجيب حاجة حلوة وهو جاي من شغله، يدخل يسلمها لنادين بنفسه والأبتسامة من الودن للودن، ويقولها: «جبتلك الحاجة اللي بتحبيها مخصزص ليكى »، ولما يلتفت لي، يقول ببرود: «تلاقي نادين هتقسم معاكي يا مروة».
الأدهى من كده، إني بقيت أحس إني أنا الغريبة في بيتي! تقعد نادين تشكيلو من مشاكلها القديمة مع طليقها، فيفضل يبصلها بنظرات فيها حنية واهتمام عمري ما شفتهم منه في الفترة الأخيرة، ويطبطب عليها ويقولها: «أنتِ تستاهلي أحسن من كده بكتير، اللي ما يقدرش الجوهرة اللي معاه يبقى ما بيفهمش». كلمة زي دي كانت بتنزل عليا زي الصاعقة، كأنه بيقر إنه شايفها الجوهرة وأنا اللاشيء. لما أجي أطلب منه حاجة تخصني أو أتكلم معاه في موضوع مضايقني، يتأفف ويقولي: «أنتِ نكدية ليه يا مروة؟ شوفِى أختك رغم كل اللي مرت بيه بتضحك وروحها حلوة إزاي! اتعلمي منها شوية».
في اللحظة دي بالذات، حسيت إن نادين مش بس خدت مساحتي في البيت، دي بدأت تسحب مؤمن مني خطوة بخطوة.. وأنا واقفة متكتفة، بشوف بيتي بيتسرق مني قدام عيني وفي وسطه نادين ومؤمن. بدأت ألاحظ إن التغير مابقاش بس من ناحية مؤمن.. نادين هي كمان شخصيتها اتغيرت تمامًا؛ العكننة والكسرة اللي جابتهم معاها من بيت جوزها اختفوا، وحل محلهم ثقة غريبة وطول لسان.
بقت نادين هي السيدة الأولى في البيت، تتصرف وتتحكم في كل صغيرة وكبيرة كأنها صاحبته وأنا مجرد ضيفة! تدخل المطبخ تغير ترتيب الحاجات، تنزل تشتري طلبات للبيت على ذوقها هي، وحتى نظام اليوم والأكل بقى يمشي على هواها. لما كنت أقولها: «يا نادين معلش سيبِ الحاجة دي مكانها، أنا بحب أرتب بيتي كده»، تبصلي باستخفاف وتقولي: «إيه يا مروة العقلية دي؟ أنا بصلحلك نظام بيتك، وبعدين مؤمن عاجبه كدة وقالي سيبك منها!».
والأصعب من كده، إن أي محاولة مني عشان أوقفها عند حدها كانت بتقلب بخناقة كبيرة وتستعرض فيها قوتها. لو عارضتها في كلمة، تدور وشها وتزعق بصوت عالي: «أنا مش جاية هنا عشان تحكمي عليا! أنتِ بتغيري مني ولا إيه؟ بدل ما تقفي جمبي في ظروفي جاية تتشطري عليا؟ وكانت أذكى من إنها تتخانق معايا وأحنا لوحدنا بس.. كانت تستنى مؤمن يرجع من شغله، وتبدأ تعمل دور الضحية وتبكي وتشتكيلو: «أنا ماشيه يا مؤمن، أختي مش حابة وجودي معاها ومستخسرة فيا اللقمة والراحة بعد كل اللي شفته!».
وطبعًا مؤمن يدخل في اللحظة دي وهو ثاير، وبدل ما يسمع مني أو يفهم الحقيقة، يوجهلي الكلام بقسوة قدامها: «أنتِ إيه معندكيش قلب يا مروة؟ أختك جاية مكسورة من بيت جوزها وأنتِ بدل ما تشيليها في عينك قايمة عليها خناق؟ البيت ده بيتها زيه زي بيتك بالضبط، واللي يضايقها يضايقني ومن هما ورايح مصروف البيت هيبقى معاها هى !». في اللحظة دي، حسيت إن السلطة اتسحبت مني تمامًا.. بيتي اللي بنيته معاه بقى يدار بكلمة من نادين، وأنا أصبحت الغريبة اللي ملهاش رأي ولا صوت.
قعدت نادين في الصالة وهي حاطة إيدها على خددها، تتصنع الدموع والكسرة قدام مؤمن أول ما دخل من باب البيت. مسكت شنطة هدومها الصغيرة اللي كانت مجهزاهة جنب الباب، وقامت برعشة درامية وقالت بنبرة حزينة ومكسورة: — «أنا خلاص يا مؤمن ماشيّة.. مش هقدر أقعد أكتر من كده وأكون سبب في خرائب بيت أختي. مروة مش طايقاني، وكل يوم بتسممني بكلامها وتخليني أحس إني عبء وتقيلة على قلوبكم. أنا أرجع لظلم طليقي أو أترمي في الشارع أرحم لي من الإهانة دي.. ربنا يسعدكم، أنا ماشية عشان ترتاحوا مني خالص».
الكلمات دي نزلـت على مؤمن زي الزيت المغلي. بصّ لي بنظرة فيها كمية غل وقسوة عمري ما شفتها في عيونه طول سنين جوازنا، وصرخ في وشي بصوت هز جدران الشقة: — «أنتِ إيه؟ معندكيش أصل ولا رحمة؟ أختك اللي من دمك جاية لك مكسورة ومالهاش ملجأ، تطفشيها وتعملي عليها سيّدة؟ والله العظيم ما هسمح لك تظلميها في بيتي.. البيت ده بيتها، والظاهر إنك أنتِ اللي بقيتي وجودك نكد ومش حاسة بقيمة العيشة ولا بالنعمة!». وقبل ما ألحق أدافع عن نفسي أو أقول كلمة واحدة تنقذ الستار اللي بيتقفل على حياتي، كمل وهو بيشاور بأصبعه في وشي ببرود مرعب:
— «أنتِ طالق يا مروة.. طالق بالثلاثة، عشان تعرفي إن الله حق، وإنك ما تستاهليش تصوني بيتك ولا تقدري الجوهرة اللي كانت عايشة معاكي! لمّي هدومك وغوري من هنا، مش عايز أشوف وشك تاني!». وقفت مذهولة، الدنيا دارت بيّ والحيطان كانت بتتساقط فوق دماغي. بصيت لنادين، كنت مستنية أشوف على وشها نظرة ندم أو خجل، بس اللي شفته كان ابتسامة نصر خفيثة ارتسمت على طرف شفايفها وهي بتمسح دموعها الوهمية وتبص لمؤمن بامتنان. خرجت من بيتي مطرودة في ليلة ضلمة، مكسورة ومصدومة في أقرب اثنين ليا.. أختي اللي فتحت لها بيتي، وجوزي اللي سلمته قلبي ورأي.
عدّت شهور العدة عليا كأنها دهر.. كنت كأني في كابوس مش قادرة أفوق منه، باكل نفسي من التفكير وبحاول ألملم اللي فاضل من كرامتي وروحي. وفي آخر يوم في العدة، أختي اللي سحبت البساط من تحت رجلي خطوة بخطوة، كانت بترتب لليوم اللي خططت له من أول لحظة دخلت فيها بيتي.

