منوعات

جنا.زة حماتى ج٢

جنازة حماتى ج٢

قعدت على حجر قبالة البيت من بعيد، مستنية أي حركة. جسمي كان بيتكتك من البرد والخوف. بعد ساعة، الباب الحديد اتفتح بصوت صرير يخلع القلب.. خرج “سيد”! كان لابس جلابية سمرا وشال، بس شكله كان مكسور وعتيق، كأنه كبر عشر سنين في الشهرين دول. ووراه خرجت “شهد” و”جنى” لابسسين أسود في أسود، وماسكين شنط المدارس وطالعين على المدرسة. قلبي نط من مكانه، وما قدرتش أمسك نفسي! نسيت الخوف ونسيت كلام جمعة ونسيت الصعيد وقوانينه.. قومت من مكاني وبقيت أجري ناحيتهم وأنا بصرخ بصوت مخنوق ودموعي نازلة:

ـ “يا شهد! يا جنى! يا سسسيد! انتظروا عشان خاطر ربنا!” سيد وقف مكانه زي الصنم، والبنات اتسمروا. لما قربت وشلت الشال عن وشي، شهد رجعت لورا بخوف، وجنى استخبت في ضهر أبوها. سيد بص لي.. ونظرة عينيه كانت تحول الفجر لليل كحل. ما كانش فيها غضب وزعيق زي يوم الطلاق.. كان فيها كره ناشف وبارد، كره أبرد من ج\ثة أمه اللي سبتها في الأوضة! خطى ناحيتي خطوات بطيئة، وفي الوقت ده، أبواب البيت الكبير بدأت تتفتح، وعموم البنات وإخوات سيد الشباب بدأوا يخرجوا للشارع بعد ما سمعوا الصوت…

خرجوا إخوات سيد وولاد عمومة العيلة من الباب الكبير، وجوههم مكشرة وعيونهم فيها شراسة البلد وقسوتها. وقفت في نص الشارع الترابي وركبي بتخبط في بعضها، الدموع نازلة تغمي عينيا، وبصيت لسيد وبناتي وترميت على الأرض تحت رجلين سيد، مسكت في ذيل جلابيته وأنا بنحب وببكي بحرقة: ـ “سامحني يا سيد.. عشان خاطر ربنا وحق النبي تسامحني! أنا غلت يا خويا، كان عقلي فين ومش عارفة عملت كده إزاي! حرمت نفسي من كل حاجة، من بيتي وبناتي وسيرتي، بس ما تحرمنيش من ولادي يا سيد.. اطردني، اضربني، اعمل فيا اللي يعجبك، بس ما تخلينيش أموت بالقهرة بعيد عنهم!”

البنات كانوا بيعيطوا بصوت مكتوم، جنى حطت إيدها على بؤها وشهد عينيها في الأرض ومش قادرة تبص لي. إخوات سيد قربوا وسيد رفع إيده عشان يوقفهم، وبص لي وهو واقف فوق رأسي كأنه جبل عالي ومش حاسس بأي رحمة ناحيتي. سيد وطي شوية، وطبق إيده على دراعي وشدني بقوة وقسوة عشان أقوم أقف، وقال بصوت واطي ومزلزل، صوت طلع من بين سنانه كأنه حجر بيطحن حجر: ـ “انطقي.. كبرتي في نظرك لما أكلتي الممبار والكوارع والست ج\ثة جنبك؟ اتبسطتي بالأكلة اللي بعتي عشانها بيتك وعشرة سنين؟”

أنا هزيت رأسي وأنا بصرخ: “والله ندمت! والله العظيم اللقمة دي كانت ألعن لقمة دخلت بؤي! أنا بقيت عايشة زي الميتين يا سيد!” سيد نفض إيده من دراعي كأنه لمس حاجة نجسَة، وبص لإخواته وللبنات، وبعدين رجع بص لي وقال بجمود يرعب: ـ “الندم ما بيرجعش الميت يا ماجدة.. والحرُمة اللي تهون مرة، تهون ألف مرة. أنتِ ما خنتنيش في راجل، أنتِ خنتِ الإنسانية والرحمة في بيتي.. قعدتي تأكلي وتتهني وأمي طلعت روحها لربنا في الأوضة المجاورة، وضحكتِ عليا وأنا غلبان ومخدوع وبتقولي لي دي نايمة متهنكة! أنتِ طردتي الرحمة من قلبك، والرب سبحانه طردك من بيتي.”

التفت سيد للبنات وقال بصوت قاطع ما فيهوش مجادلة: “امشوا على مدرستكم يا شهد أنتِ وجنى.. ما تلتفتوش وراكم.” شهد أخدت إيد جنى ومشيت، وجنى بصت لي بيكسرة نفس وهي ماشية، النظرة الأخيرية اللي حسيت فيها إن بنتي بتودعني للأبد. سيد بص لإخواته وقالهم: “تاخدوها على محطة القطر، تركبوها أول قطر نازل القاهرة، ورجلها ما تطأش أرض البلد دي تاني. ولو فكرت ترجع، هنسى إنها كانت أم ولادي وهكون أنا اللي هخلص حق أمي بإيدي.”

إخواته مسكوني من كتافي وجروني بعيد، وأنا بصرخ وبنادي على البنات وعلى سيد، بس محدش التفت لي. الشارع كله كان بيتفرج، والباب الكبير اتقفل بصوت أخير ورنان.. صوت القفل وهو بيتقفل على حياتي القديمة للأبد. رجعت القاهرة على شقة أختي سعاد، بس ما بقيتش ماجدة القديمة. قعدت في أوضة ضيقة، لا بخرج ولا بكلم حد. الشارع نسي القصة مع الوقت وبقوا يتشغلوا بحكايات جديدة، بس أنا عمري ما نسيت.

النهارده، كل ما بلمح أكل ولا أشم ريحة محشي ولا ممبار في الشارع، مصاريني بتتجمع وربنا يعلم بالحرقة اللي باكل بيها نفسي. اللقمة اللي جربت أستخسرها عشان ما تبردش، أكلت عمري وبيتي واستقراري، وسابتني عايشة بين أربع حيطان، مستنية اليوم اللي هقابل فيه ربنا وأقف قدام حماتي وأطلب منها السماح على اللحظة اللي اخترت فيها بطني على حرمة موتها. الحكمة من القصّة تتلخص في جملة واحدة: **”من قدّم بطنه وشهوته على إنسانيته وحُرْمة الميت، خسِر كل شيء في لحظة.”**

وتتجلّى الحكمة في عدّة نقاط أساسية: 1. **حُرْمَة الموت والأصول لا تُقدّر بثمن:** الموت له هيبة وحرمة، ومراعاة مشاعر الزوج وحق المتوفى أهم وأبدى من أي متاع زائل أو أكلة شهية. الأكل يُعوَّض، أما كرامة الإنسان وإنسانيته إذا ضاعت فلا تُسترد. 2. **الخداع والخيانة النفسية:** الخيانة ليست فقط في الزنا أو السرقة، بل في قسوة القلب والتحايل على أقرب الناس إليك. الضحك والاستهانة بمشاعر الزوج واستغلال حسن نيته يقطع خيوط الثقة إلى الأبد. 3. **الندم لا يعيد ما فات:**

لحظة الأنانية وتغليب المصلحة الشخصية لحظتها قد تبدو بسيطة، لكن عواقبها تكون كاسحة، فالأكلة التي استخسرتِ أن تبرد كانت السبب في خراب البيت، وفراق الأبناء، وضياع السمعة والعيش في طرد وندم طوال العمر.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى